يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نكمل بقية حديثنا في الحلقة الماضية
اذ يقول المؤلف رحمه الله تنبيه في هذه الاية الكريمة سؤال معروف وهو اي يقال كيف عدى فعل الوسوسة في طه بالا؟ في قوله فوسوس اليه الشيطان مع انه عداه في الاعراف باللام
في قوله فوسوس لهما الشيطان وللعلماء عن هذا السؤال اجوبة احدها ان حروف الجر يخلف بعضها بعضا اللام تأتي بمعنى الى كعكس ذلك قال الجوهري في صحاحه وقوله تعالى فوسوس لهما الشيطان يريد اليهما
ولكن العرب تصل بهذه الحروف كلها الفعل انتهى وتبعه ابن منظور في اللسان ومن الاجوبة على ذلك ارادة التضمين قال الزمخشري في تفسير هذه الاية فان قلت كيف عدى وسوس تارة باللام
في قوله فوسوس لهما الشيطان واخرى بالى قلت وسوسة الشيطان تولولت الثكلى ووعوعة الذئب ووقوقت الدجاجة بانها حكايات للاصوات وحكمها حكم صوت واجرس ومنه وسوس المبرسم وهو موسوس بالكسر والفتح لحن
وانشد ابن الاعرابي وسوس يدعو مخلصا رب الفلق فاذا قلت وسوس له فمعناه لاجله كقوله اجلس لها يا ابن ابي كباشي فما لها الليلة من انفاشي غير السرى وسائق النجاشي
ومعنا وسوسة اليه انهى اليه الوسوسة كقوله حدث اليه واسر اليه انتهى منه وهذا الذي اشرنا اليه هو معنى الخلاف المشهور بين البصريين والكوفيين في تعاقب حروف الجر واتيان بعضها مكان بعض
هل هو بالنظر الى التظمين او لان الحروف يأتي بعضها بمعنى بعض وسنذكر مثالا واحدا من ذلك يتضح به المقصود وقوله تعالى مثلا ونصرناه من القوم الذين كذبوا باياتنا الاية على القول بالتضمين
فالحرف الذي هو من وارد في معناه لكن نصر هنا مضمنة معنى الانجاء والتخليص اي انجيناه وخلصناه من الذين كذبوا باياتنا والانجاء مثلا يتعدى بمن وعلى القول الثاني فنصر والد في معناه
لكن من بمعنى على اي نصرناه على القوم الذين كذبوا الاية وهكذا في كل ما يشاكله وقد قدمنا في سورة الكهف ان اختلاف العلماء في تعيين الشجرة التي نهى الله ادم عن الاكل منها
اختلاف لا طائل تحته بعدم الدليل على تعيينها وعدم الفائدة في معرفة عينها وبعضهم يقول هي السنبلة وبعضهم يقول هي شجرة الكرم بعضهم يقول هي شجرة التين الى غير ذلك من الاقوال
قوله تعالى فاكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة الفاء في قوله فاكل تدل على ان سبب اكلهما هو وسوسة الشيطان المذكورة قبله في قوله فوسوس اليه الشيطان
كيف اكل منها بسبب تلك الوسوسة؟ وكذلك الفاء في قوله فبدت لهما سوءاتهما تدل على ان سبب ذلك هو اكلهما من الشجرة المذكورة وكانت وسوسة الشيطان سببا للاكل من تلك الشجرة
وكان الاكل منها سببا لبدو سوءاتهما وقد تقرر في الاصول في مسلك الايماء والتنبيه ان الفاء تدل على التعليل كقولهم سهى فسجد. اي لعلة سهوه وسرق فقطعت يده اي لعلة سرقته. كما قدمناه مرارا
وكذلك قوله هنا فوسوس اليه الشيطان قال يا ادم هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فاكلا منها. اي بسبب تلك الوسوسة فبدت لهما سوءاتهما اي بسبب ذلك الاكل
ففي الاية ذكر السبب وما دلت عليه الفاء هنا كما بينا من ان وسوسة الشيطان هي سبب ما وقع من ادم وحواء جاء مبينا في مواضع من كتاب الله لقوله تعالى فاذلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه
وصرح بان الشيطان هو الذي اذلهما وفي القراءة الاخرى فازالهما وانه هو الذي اخرجهما مما كانا فيه اي من نعيم الجنة وقوله تعالى يا بني ادم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة الاية
وقوله فدلاهما بغرور الى غير ذلك من الايات وما ذكره جل وعلا في اية طه هذه من ترتب بدو سوءاتهما على اكلهما من تلك الشجرة اوضحه في غير هذا الموضع
كقوله في الاعراف فلما ذاق الشجرة بدت لهما سوءاتهما وقوله فيها ايضا كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما وقد دلت الايات المذكورة على ان ادم وحواء
كان في ستر من الله يستر به سوءاتهما وانهما لما اكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها انكشف ذلك الستر بسبب تلك الزلة فبدت سوءاتهما اي عوراتهما وسميت العورة سوءة
لان انكشافها يسوء صاحبها وصار يحاولان ستر العورة بورق شجر الجنة كما قال هنا وطفقة يخصفان عليهما من ورق الجنة وقال في الاعراف فلما ذاق الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخسفان عليهما من ورق الجنة. انتهى
وقوله وطفقا اي شرع فهي من افعال الشروع ولا يكون خبر افعال الشروع الا فعلا مضارعا غير مقترن بان والى ذلك اشار في الخلاصة بقوله وترك ان مع ذي الشروع وجبا
انشأ السائق يحدو وطفق. كذا جعلت واخذت وعلق فمعنى قوله وطفقا يخصفان اي شرعا يلزقان عليهما من ورق الجنة بعضه ببعض ليسترا به عوراتهما والعرب تقول خسف النعل يخصفها اذا خرزها
قصف الورق على بدنه اذا الزقها واطبقها عليه ورقة ورقة وكثير من المفسرين يقولون ان ورق الجنة التي طفق ادم وحواء يخصفان عليهما منه انه ورق التين والله تعالى اعلم
واعلم ان الستر الذي كان على ادم وحواء وانكشف عنهما لما ذاقا الشجرة اختلف العلماء في تعيينه فقالت جماعة من اهل العلم كان عليهما لباس من جنس الظفر فلما اكل من الشجرة ازاله الله عنهما
الا ما ابقى منه على رؤوس الاصابع وقال بعض اهل العلم كان لباسهما نورا يستر الله به سوآتهما وقيل لباس من ياقوت الى غير ذلك من الاقوال وهو من الاختلاف الذي لا طائل تحته ولا دليل على الواقع فيه
كما قدمنا كثيرا من امثلة ذلك في سورة الكهف وغاية ما دل عليه القرآن انهما كانا عليهما لباس يسترهما الله به فلما اكل من الشجرة نزع عنهما فبدت لهما سوءاتهما
ويمكن ان يكون اللباس المذكور الظفر او النور او لباس التقوى او غير ذلك من الاقوال المذكورة فيه واسند جل وعلا ابداء ما ووري عنهما من سوءاتهما الى الشيطان في قوله ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما
كما اسند له نزع اللباس عنهما في قوله تعالى كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما لانه هو المتسبب في ذلك بوسوسته وتزيينه كما قدمناه قريبا وفي هذه الاية الكريمة سؤال معروف
وهو ان يقال كيف جعل سبب الزلة في هذه الاية وهو وسوسة الشيطان مختصا بادم دون حواء في قوله فوسوس اليه الشيطان مع انه ذكر ان تلك الوسوسة سببت الزلة لهما معا كما اوضحناه
والجواب ظاهر وهو انه بين في الاعراف انه وسوس لحواء ايضا مع ادم القصة بعينها في قوله فوسوس لهما الشيطان تبينت اية الاعراف ما لم تبينه اية طه كما ترى
والعلم عند الله تعالى ايها المستمع الكريم في الاية اشارة الى وجوب ستر العورة نأتي على ذكرها في اللقاء القادم ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
