يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون
المعنى ونختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا وبما يجب فيه الشكر من النعم والينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر او الشكر وقوله فتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه
وما ذكره جل وعلا من انه يبتلي خلقه ان يختبرهم بالشر والخير قد بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون وقوله تعالى ولقد ارسلنا الى امم من قبلك
فاخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا اذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شيء حتى اذا فرحوا بما اوتوا اخذناهم بغتة
فاذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمدلله رب العالمين وقوله تعالى وما ارسلنا في قرية من نبي الا اخذنا اهلها بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة
حتى عفوا وقالوا قد مس اباءنا الضراء والسراء فاخذناهم بغتة وهم لا يشعرون الى غير ذلك من الايات وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة ونبلوكم بالشر والخير يدل على ان بلى يبلو
تستعمل في الاختبار بالنعم وبالمصائب والبلايا وقال بعض العلماء اكثر ما يستعمل في الشر بلى يبلو وفي الخير ابلى يبلي وقد جمع اللغتين في الخير قول زهير بن ابي سلمى
جزى الله بالاحسان ما فعل بكم وابلاهما خير البلاء الذي يبلو وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ونبلوكم بالشر والخير قال اي نبتليكم بالشر والخير فتنة في الشدة والرخاء
والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلال قوله تعالى واذا رآك الذين كفروا ان يتخذونك الا هزوا اهذا الذي يذكر الهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة
ان الكفار اذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ما يتخذونه الا هزوا اي مستهزأ به مستخفا به والهزء السخرية فهو مصدر وصف به ويقولون اهذا الذي يذكر الهتكم اي يعيبها
وينفي انها تشفع لكم وتقربكم الى الله زلفى ويقول انها لا تنفع من عبدها ولا تضر من لم يعبدها وهم مع هذا كله كافرون بذكر الرحمن الخطاب في قوله اذا رآك
للنبي صلى الله عليه وسلم وان في قوله ان يتخذونك  والاستفهام في قوله اهذا الذي يذكر الهتكم قال فيه ابو حيان في البحر انه للانكار والتعجب وقال المؤلف رحمه الله والذي يظهر لي
انهم يريدون بالاستفهام المذكور التحقير بالنبي صلى الله عليه وسلم كما تدل عليه قرينة قوله ان يتخذونك الا هزوا وقد تقرر في فن المعاني ان من الاغراض التي تؤدى بالاستفهام
التحقير وقال القرطبي في تفسير هذه الاية ان جواب اذا هو القول المحذوف وتقديره واذا رآك الذين كفروا يقولون هذا الذي يذكر الهتكم وقال ان جملة ان يتخذونك الا هزوا
جملة معترضة بين اذا وجوابها واختار ابو حيانة في البحر ان جواب اذا هو جملة ان يتخذونك وقال ان جواب اذا بجملة مصدرة بان او ماء النافيتين لا يحتاج الى الاقتران بالفاء
وقوله يذكر الهتكم اي يعيبها ومن اطلاق الذكر بمعنى العيب قوله تعالى قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ابراهيم اي يعيبهم وقول عنترة لا تذكري مهري وما اطعمته فيكون جلدك مثل جلد الاجرب
اي لا تعيبي مهري قاله القرطبي وقال الزمخشري في تفسير هذه الاية الكريمة الذكر يكون بخير وبخلافه واذا دلت الحال على احدهما اطلق ولم يقيد كقولك للرجل سمعت فلانا يذكرك
فان كان الذاكر صديقا فهو ثناء وان كان عدوا فذم ومنه قوله تعالى سمعنا فتى يذكرهم وقوله اهذا الذي يذكر الهتكم انتهى محل الغرض منه والجملة في قوله وهم بذكر الرحمن هم كافرون
حالية وقال بعض اهل العلم معنى كفرهم بذكر الرحمن هو الموضح في قوله تعالى واذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمان انسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا وقولهم ما نعرف الرحمن الا رحمن اليمامة
يعنون مسيلمة الكذاب وقد بين ابن جرير الطبري وغيره ان انكارهم لمعرفتهم الرحمن تجاهل منهم ومعاندة مع انهم يعرفون ان الرحمن من اسماء الله تعالى قال وقال بعض شعراء الجاهلية الجهلاء
الا ضربت تلك الفتاة هجينها الا قطع الرحمن ربي يمينها وقال سلامة ابن جندل الطهوي عجلتم علينا عجلتينا عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق وفي هذه الاية الكريمة دلالة واضحة على سخافة عقول الكفار
لانهم عاكفون على ذكر اصنام لا تنفع ولا تضر ويسوؤهم ان تذكر بسوء او يقال انها لا تشفع ولا تقرب الى الله واما ذكر الله وما يجب ان يذكر به من الوحدانية
فهم به كافرون لا يصدقون به فهم احق بان يتخذوا هزوا من النبي صلى الله عليه وسلم الذي اتخذوه هزوا فانه محق وهم مبطلون فاذا عرفت معنى هذه الاية الكريمة
فاعلم ان هذا المعنى الذي دلت عليه جاء ايضا مبينا في سورة الفرقان في قوله تعالى واذا رأوك ان يتخذونك الا هزوا اهذا الذي بعث الله رسولا ان كاد ليضلنا عن الهتنا لولا ان صبرنا عليها
وسوف يعلمون حين يرون العذاب من اضل سبيلا فتحقيرهم له صلى الله عليه وسلم المذكور في قوله في الانبياء هذا الذي يذكر الهتكم هو المذكور في قوله في الفرقان اهذا الذي بعث الله رسولا
وذكره لالهتهم بالسوء المذكور في الانبياء في قوله يذكر الهتكم هو المذكور في الفرقان في قوله ان كاد ليضلنا عن الهتنا لولا ان صبرنا عليها اي لما يبين من معايبها وعدم فائدتها
وعظم ضرر عبادتها بهذا ايها المستمع الكريم. نأتي على نهاية هذا اللقاء ولنا ان شاء الله لقاء اخر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
