يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى وذا النون اذ ذهب مغاضبا وظن ان لن نقدر عليه
فنادى في الظلمات ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين اي واذكر ذا النون والنون الحوت وذا بمعنى صاحب
فقوله ذا النون معناه صاحب الحوت كما صرح الله بذلك في القلم في قوله ولا تكن كصاحب الحوت. الاية وانما اضافه الى الحوت لانه التقمه كما قال تعالى فالتقمه الحوت وهو مليم
وقوله فظن ان لن نقدر عليه فيه وجهان من التفسير لا يكذب احدهما الاخر الاول ان المعنى لن نقدر عليه اي لن نضيق عليه في بطن الحوت ومن اطلاق قدر بمعنى ضيق
بالقرآن قوله تعالى الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر اي ويضيق الرزق على من يشاء وقوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما اتاه الله. الاية
وقوله ومن قدر عليه رزقه اي ومن ضيق عليه رزقه الوجه الثاني ان معنى لن نقدر عليه لن نقضي عليه ذلك وعليه فهو من القدر والقضاء وقدر بالتخفيف تأتي بمعنى قدر المضاعفة
ومنه قوله تعالى فالتقى الماء على امر قد قدر اي قدره الله ومنه قول الشاعر وانشده ثعلب شاهدا لذلك فليست عشيات الحمى برواجع لنا ابدا ما اورق السلم النضر ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى
تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر والعرب تقول قدر الله لك الخير يقدره قدرا فضرب يضرب ونصر ينصر بمعنى قدره لك تقديرا ومنه على اصح القولين ليلة القدر لان الله يقدر فيها الاشياء
كما قال تعالى فيها يفرق كل امر حكيم والقدر بالفتح والقدر بالسكون ما يقدره الله من القضاء ومنه قول هدبة بن الخشرم هلا يا لقومي للنوائب والقدر وللامر يأتي المرء من حيث لا يدري
اما قول من قال ان لن نقدر عليه من القدرة فهو قول باطل بلا شك لان نبي الله يونس لا يشك في قدرة الله على كل شيء كما لا يخفى
وقوله في هذه الاية الكريمة مغاضبا هي في حال كونه مغاضبا لقومه ومعنا المفاعلة فيه انه اغضبهم بمفارقته وتخويفهم حلول العذاب بهم واغضبوه حين دعاهم الى الله مدة فلم يجيبوه
فاوعدهم بالعذاب ثم خرج من بينهم على عادة الانبياء عند نزول العذاب قبل ان يأذن الله له في الخروج قاله ابو حيان في البحر وقال ايضا وقيل معنى مغاضبا غضبان
وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكا نحو عاقبت اللص وسافرت انتهى واعلم ان قول من قال مغاضبا اي مغاضبا لربه كما روي عن ابن مسعود وبه قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير واختاره الطبري والقطبي واستحسنه المهدوي
يجب حمله على معنى القول الاول اي مغاضبا من اجل ربه قال القرطبي بعد ان ذكر هذا القول عن من ذكرنا وقال النحاس وربما انكر هذا من لا يعرف اللغة
وهو قول صحيح والمعنى مغاضبا من اجل ربه كما تقول غضبت لك اي من اجلك والمؤمن يغضب لله عز وجل اذا عصي انتهى منه والمعنى على ما ذكر مغاضبا قومه من اجل ربه
اي من اجل كفرهم به وعصيانهم له وغير هذا لا يصح في الاية وقوله تعالى فنادى في الظلمات اي ظلمة البحر ظلمة الليل ظلمة بطن الحوت وانت في قوله ان لا اله الا انت مفسرة
وقد اوضحنا فيما تقدم معنى ان لا اله الا انت ومعنى سبحانك ومعنى الظلم فاغنى ذلك عن اعادته هنا وقوله فاستجبنا له اي اجبناه ونجيناه من الغم الذي هو فيه في بطن الحوت
واطلاق استجاب بمعنى اجاب معروف في اللغة ومنه قول كعب بن سعد الغنوي وداعا دعا يا من يجيب الى النداء فلم يستجبه عند ذاك مجيب وما ذكره الله جل وعلا في هذه الاية
من نداء نبيه يونس في تلك الظلمات هذا النداء العظيم وان الله استجاب له ونجاه من الغم اوضحه في غير هذا الموضع وبين في بعض المواضع انه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم
للبث في بطن الحوت الى يوم البعث ولم يخرج منه وبين في بعضها انه طرحه بالعراء وهو سقيم وبين في بعضها انه خرج بغير اذن كخروج العبد الابق وانه مقترع على من يلقى في البحر
توقعت القرعة على يونس انه هو الذي يلقى فيه وبين في بعضها ان الله تداركه برحمته ولو لم يتداركه بها لنبذ بالعراء في حال كونه مذموما ولكنه تداركه بها نبذ غير مذموم
قال تعالى في الصافات وان يونس لمن المرسلين اذ ابق الى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا انه كان من المسبحين للبث في بطنه الى يوم يبعثون
فنبذناه بالعراء وهو سقيم وانبتنا عليه شجرة من يقطين وارسلناه الى مئة الف او يزيدون فامنوا تمتعناهم الى حين وقوله في ايات الصافات المذكورة اذ ابق اي حين ابق وهو من قول العرب عبد ابغ
لان يونس خرج قبل ان يأذن له ربه ولذلك اطلق عليه اسم الاباء واستحقاق الملامة في قوله وهو مليم لان المليم اسم فاعل الاما اذا فعل ما يستوجب المنام وقوله فساهم اي قارع
بمعنى انه وضع مع اصحاب السفينة سهام القرعة ليخرج سهم من يلقى في البحر وقوله فكان من المدحضين اي المغلوبين في القرعة لانه خرج له السهم الذي يلقى صاحبه في البحر
ومن ذلك قول الشاعر وتل المدحضين بكل فج فقد قرت بقتلهم العيون ايها المستمع الكريم حسبنا ما مضى على ان نستكمل بقية التفسير والقصة في اللقاء القادم ان شاء الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
