يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ذلك بما قدمت يداك وان الله ليس بظلام للعبيد
المعنى ان الكافر اذا اذيق يوم القيامة عذاب الحريق يقال له ذلك اي هذا العذاب الذي نذيقك بسبب ما قدمت يداك اي قدمته في الدنيا من الكفر والمعاصي وان الله ليس بظلام للعبيد
فلا يظلم احدا مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤتي من لدنه اجرا عظيما والظاهر ان المصدر المنسبك من ان وصلتها في قوله وان الله ليس بظلام للعبيد في محل خفض
عطفا على ماء المجرورة بالباء والمعنى هذا العذاب الذي نذيقك حصل لك بسببين وهما ما قدمته يداك من عمل السوء من الكفر والمعاصي وعدالة من جازاك ذلك الجزاء الوفاق وعدم ظلمه
وقد اوضحنا فيما مضى ازالة الاشكال المعروف في نفي صيغة المبالغة في قوله ليس بظلام فاغنى ذلك عن اعادته هنا وفي هذه الاية الكريمة ثلاثة اسئلة الاول هو ما ذكرنا انفا
ان اوضحنا الجواب عنه سابقا وهو ان المعروف في علم العربية ان النفي اذا دخل على صيغة المبالغة لم يقتضي نفي اصل الفعل فلو قلت ليس زيد بظلام للناس ومعناه المعروف
انه غير مبالغ في الظلم ولا ينافي ذلك حصول مطلق الظلم منه وقد قدمنا ايضاح هذا والسؤال الثاني انه اسند كل ما قدم الى يديه في قوله بما قدمت يداك
وكفره الذي هو اعظم ذنوبه ليس من فعل اليد وانما هو من فعل القلب واللسان وان كان بعض انواع البطش باليد يدل على الكفر وهو في اللسان والقلب اظهر منه في اليد
وزناه لم يفعله بيده بل بفرجه ونحو ذلك من المعاصي التي تزاول بغير اليد والجواب عن هذا ظاهر وهو ان من اساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن اسناد جميع الاعمال الى اليد
نظرا الى انها الجارحة التي يزاول بها اكثر الاعمال فغلبت على غيرها ولا اشكال في ذلك والسؤال الثالث هو ان يقال ما وجه اشارة البعد في قوله ذلك بما قدمت يداك
مع ان العذاب المشار اليه قريب منه حاضر والجواب عن هذا ان من اساليب اللغة العربية وضع اشارة البعد موضع اشارة القرب وقد اوضحنا هذه المسألة في كتابنا دفع ايهام الاضطراب عن ايات الكتاب
في الكلام على قوله تعالى في اول سورة البقرة الف لام ميم ذلك الكتاب الاية اي هذا الكتاب ومن شواهد ذلك في اللغة العربية قول خفاف ابن ندبة السلمي فان تك خيلي قد اصيب صميمها
فعمدا على عيني تيممت مالكا اقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا انني انا ذلك يعني انا هذا وما ذكره جل وعلا في هذه الاية الكريمة من ان الكافر يقال له يوم القيامة
ذلك بما قدمت يداك الاية لا يخفى انه توبيخ وتقريع واهانة له وامثال ذلك القول في القرآن كثيرة كقوله تعالى خذوه فاعتلوه الى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم
ذوق انك انت العزيز الكريم ان هذا ما كنتم به تمترون وقوله تعالى يوم يدعون الى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون افسحر هذا؟ ام انتم لا تبصرون
اسلوها فاصبروا او لا تصبروا سواء عليكم انما تجزون ما كنتم تعملون والايات بمثل ذلك كثيرة جدا قوله تعالى يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد
ضمير الفاعل في قوله يدعو من دون الله ما لا يضره راجع الى الكافر المشار اليه في قوله وان اصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين
اي يدعو ذلك الكافر المذكور من دون الله ما لا يضره ان ترك عبادته وكفر به وما لا ينفعه ان عبده وزعم انه يشفع له وما ذكره جل وعلا في هذه الاية الكريمة
من ان الاوثان لا تضر من كفر بها ولا تنفع من عبدها بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله
قل اتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الارض سبحانه وتعالى عما يشركون وقوله تعالى عن نبيه ابراهيم قال هل يسمعونكم اذ تدعون؟ او ينفعونكم او يضرون قالوا بل وجدنا اباءنا كذلك يفعلون
اذ المعنى انه معترف بانهم لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرون ولكنهم عبدوهم تقليدا لابائهم والايات بمثل ذلك كثيرة ايها المستمع الكريم بقيت لحديثنا بقية نستكملها في لقائنا القادم ان شاء الله
والى ذلك الحين استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
