يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى فكأي من قرية اهلكناها وهي ظالمة
فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد بين تعالى في هذه الاية الكريمة انه اهلك كثيرا من القرى في حال كونها ظالمة اي بسبب ذلك الظلم وهو الكفر بالله وتكذيب رسله
فصارت بسبب الاهلاك والتدمير ديارها متهدمة وابارها معطلة لا يسقى منها شيء لاهلاك اهلها الذين كانوا يستقون منها وهذا المعنى الذي ذكره تعالى في هذه الاية جاء موضحا في ايات كثيرة
لقوله تعالى وكأي من قرية عتت عن امر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال امرها وكان عاقبة امرها خسرا اعد الله لهم عذابا شديدا. الاية وقوله تعالى وكذلك اخذ ربك
اذا اخذ القرى وهي ظالمة ان اخذه اليم شديد وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابي موسى الاشعري رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله ليملي للظالم
حتى اذا اخذه لم يفلته ثم قرأ صلى الله عليه وسلم وكذلك اخذ ربك اذا اخذ القرى وهي ظالمة ان اخذه اليم شديد الى غير ذلك من الايات وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة فهي خاوية على عروشها
العروش السقوف والخاوية الساقطة ومنه قول الخنساء كان ابو حسان عرشا خوى مما بناه الدهر دان ظليل والمعنى ان السقوف سقطت ثم سقطت عليها حيطانها على اظهر التفسيرات والقصر المشيد
المطلي بالشيد بكسر الشين وهو الجص وقيل المشيد الرفيع الحصين كقوله تعالى اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة اي حصون منيعة رفيعة والظاهر ان قوله وبئر معطلة
معطوف على قرية ايوة كأي من قرية اهلكناها وكم من بئر عطلناها باهلاك اهلها وكم من قصر مشيد اخليناه من ساكنيه واهلكناهم لما كفروا وكذبوا الرسل وفي هذه الاية وامثالها
تهديد لكفار قريش الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم وتحذير لهم من ان ينزل بهم ما نزل بتلك القرى من العذاب لما كذبت رسلها قال المؤلف رحمه الله تنبيه يظهر لطالب العلم في هذه الاية سؤال
وهو ان قوله فهي خاوية على عروشها يدل على تهدم ابنية اهلها وسقوطها وقوله وقصر مشيد يدل على بقاء ابنيتها قائمة مشيدة قال مقيده عفا الله عنه وغفر له الظاهر لي في جواب هذا السؤال
ان قصور القرى التي اهلكها الله وقت نزول هذه الاية منها ما هو متهدم كما دل عليه قوله فهي خاوية على عروشها ومنها ما هو قائم باق على بنائه كما دل عليه قوله تعالى وقصر مشيد
وانما استظهرنا هذا الجمع لان القرآن دل عليه وخير ما يفسر به القرآن القرآن وذلك في قوله جل وعلا في سورة هود ذلك من انباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد
وصرح بهذه الاية بان منها قائما ومنها حصيدا واظهروا الاقوال واجراها على ظاهر القرآن ان القائم هو الذي لم يتهدم والحصيد والذي تهدم وتفرقت انقاضه ونظيره من كلام العرب قوله والناس في قسم المنية بينهم
كالزرع منه قائم وحصيد وفي معنى القائم والحصيد اقوال اخر غير ما ذكرنا ولكن ما ذكرنا هو اظهرها وذكر الزمخشري ما يفحم منه وجه اخر للجمع وهو ان معنى قوله خاوية
خالية من اهلها من قوله خوى المكان اذا خلا من اهله وان معنى على عروشها ان الابنية باقية هاي هي خالية من اهلها مع بقاء عروشها قائمة على حيطانها وما ذكرناه اولا
هو الصواب ان شاء الله تعالى وقد دلت هذه الاية الكريمة وامثالها في القرآن ان لفظ القرية يطلق تارة على نفس الابنية وتارة على اهلها الساكنين بها الاهلاك في قوله اهلكناها
والظلم في قوله وهي ظالمة يراد به اهلها الساكنون بها وقوله فهي خاوية على عروشها يراد به الابنية كما قال تعالى في اية اخرى واسأل القرية التي كنا فيها وقال في اخرى
حتى اذا اتيا اهل قرية استطعما اهلها وقد بينا في رسالتنا المسماة منع جواز المجاز المنزل للتعبد والاعجاز ان ما يسميه البلاغيون مجاز النقص ومجاز الزيادة ليس بمجاز حتى عند جمهور القائلين بالمجاز من الاصوليين
واقمنا الدليل على ذلك وقرأ هذا الحرف ابن كثير وكائن بالف بعد الكاف وبعد الالف همزة مكسورة فنون ساكنة وقرأه الباقون وكأين بهمزة مفتوحة بعد الكاف بعدها ياء مكسورة مشددة
فنون ساكنة ومعنى القراءتين واحد فهما لغتان فصيحتان وقراءتان سبعيتان صحيحتان وابو عمرو يقف على الياء والباقون يقفون على النون وقرأ ابو عمرو اهلكتها المتكلم المضمومة بعد الكاف من غير الف
والباقون بنون مفتوحة بعد الكاف وبعد النون الف والمراد بصيغة الجمع على قراءة الجمهور التعظيم كما هو واضح وقرأ ورش والسوسي وبير بابدال الهمزة ياء والباقون بالهمزة الساكنة ايها المستمع الكريم
بقيت لحديثنا بقية نستوفيها في لقائنا القادم ان شاء الله وحتى نلقاكم نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
