يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته في هذه الحلقة نكمل حديثنا في الحلقة الماضية
حول قول الحق تعالى ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين الايات قال المؤلف رحمه الله وقوله هنا ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين يعني بدأه خلق نوع الانسان
بخلق ادم وقوله ثم جعلناه نطفة اي بعد خلق ادم وحواء الضمير في قوله ثم جعلناه لنوع الانسان الذي هو النسل لدلالة المقام عليه كقولهم عندي درهم ونصفه اي نصف درهم اخر
كما اوضح تعالى هذا المعنى في سورة السجدة في قوله ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي احسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الانسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين
سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون واشار الى ذلك لقوله تعالى ومن اياته ان خلقكم من تراب ثم اذا انتم بشر تنتشرون وما ذكره هنا
من اطوار خلقه الانسان امر كل مكلف ان ينظر فيه والامر المطلق يقتضي الوجوب الا لدليل صارف عنه كما اوضحناه مرارا وذلك في قوله فلينظر الانسان مما خلق خلق من ماء دافق
الاية وقد اشار في ايات كثيرة الى كمال قدرته بنقله الانسان في خلقه من طور الى طور كما اوضحه هنا وكما في قوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا
وقد خلقكم اطوارا وبين ان انصراف خلقه عن التفكر في هذا والاعتبار به مما يستوجب التساؤل والعجب وان من غرائب صنعه وعجائب قدرته نقله الانسان من النطفة الى العلقة ومن العلقة الى المضغة
الى اخره مع انه لم يشق بطن امه بل هو مستتر بثلاث ظلمات وهي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة المنطوية على الجنين وذلك في قوله جل وعلا يخلقكم في بطون امهاتكم
خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك. لا اله الا هو فانى تصرفون وتأمل معنى قوله فانى تصرفون اي عن هذه العجائب والغرائب التي فعلها فيكم ربكم ومعبودكم
وقال تعالى هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء وقال يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة
ثم ذكر الحكمة وقال لنبين لكم اي لنظهر لكم بذلك عظمتنا وكمال قدرتنا وانفرادنا بالالهية واستحقاق العبادة وقال في سورة المؤمن هو الذي خلقكم من تراب. ثم من نطفة ثم من علقة
ثم من مضغة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ثم لتكونوا شيوخا وقال تعالى ايحسب الانسان ان يترك سدى الم يكن نطفة من مني يمنا ثم كان علقة فخلق فسوى
وجعل منه الزوجين الذكر والانثى اليس ذلك بقادر على ان يحيي الموتى والايات بمثل هذا كثيرة وقد ابهم هذه الاطوار المذكورة في قوله كلا انا خلقناهم مما يعلمون وذلك الابهام
يدل على ضعفهم وعظمة خالقهم جل وعلا فسبحانه ما اعظم شأنه وما اكمل قدرته وما اظهر براهين توحيده وقد بين في اية المؤمنون هذه انه يخلق المضغة عظاما وبين في موضع اخر
انه يركب بعض تلك العظام مع بعض. تركيبا قويا ويشد بعضها مع بعض على اكمل الوجوه وابدعها وذلك في قوله نحن خلقناهم وشددنا اسرهم الاية والاسر شد العظام بعضها مع بعض
وتآسير السرج ومركب المرأة السيور التي يشد بها ومنه قول حميد بن ثور وما دخلت في الغد حتى تنقضت اسير اعلى قده وتحطما وفي صحاح الجوهري اسر قتبه يأسره اسرى
شده بالاسار وهو القد ومنه سمي الاسير وكانوا يشدونه بالقد وقول بعض المفسرين واللغويين اسرهم اي خلقهم فيه قصور في التفسير لان الاسرى هو الشد القوي بالاسر الذي هو القد
وهو السير المقطوع من جلد البعير ونحوه الذي لم يدبغ والله جل وعلا يشد بعض العظام ببعض شدا محكما متماسكا كما يشد الشيء بالقد والشد قوي جدا وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة
في قرار مكين القرار هنا مكان الاستقرار والمكين المتمكن وصف القرار به لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال او لتمكن من يحل فيه قاله ابو حيان في البحر
وقال الزمخشري القرار المستقر والمراد به الرحم وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها او بمكانتها في نفسها لانها مكنت بحيث هي واحرزت وقوله تعالى في هذه الاية ثم انشأناه خلقا اخر
قال الزمخشري اي خلقا مباينا للخلق الاول مباينة ما ابعدها حيث جعله حيوانا وكان جمادا وناطقا وكان ابكم وسميعا وكان اصم وبصيرا وكان اكمه واودع باطنه وظاهره بل كل عضو من اعضائه
وجزء من اجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا تدرك بوصف الواصف ولا بشرح الشارح انتهى منه وقال القرطبي اختلف في الخلق الاخر المذكور وقال ابن عباس والشعبي وابو العالية الضحاك وابن زيد
هو نفخ الروح فيه بعد ان كان جمادا وعن ابن عباس خروجه الى الدنيا وقال قتادة عن فرقة نباة شعره وقال الضحاك خروج الاسنان ونبات الشعر وقال مجاهد شمال وشبابه
وروي عن ابن عمر والصحيح انه عام في هذا وفي غيره من النطق والادراك وتحصيل المعقولات الى ان يموت انتهى منه والظاهر ان جميع اقوال اهل العلم في قوله خلقا اخر
انه صار بشرا سويا بعد ان كان نطفة ومضغة وعلاقة وعظاما كما هو واضح قال المؤلف رحمه الله مسألة وقد استدل بهذه الاية الامام ابو حنيفة رحمه الله على ان من غصب بيضة فافرخت عنده
انه يضمن البيضة ولا يرد الفرخ لان الفرخ خلق اخر سوى البيضة فهو غير ما غصب وانما يرد الغاصب ما غصب وهذا الاستدلال له وجه من النظر والعلم عند الله تعالى
لهذا ايها المستمع الكريم نأتي على نهاية هذا اللقاء على ان نكمل حديثنا في الحلقة القادمة ان شاء الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
