يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى اذلك خير ام جنة الخلد التي وعد المتقون
كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاؤون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا التحقيق ان الاشارة في قوله اذلك راجعة الى النار وما يلقاه الكفار فيها من انواع العذاب
كما ذكره جل وعلا بقوله واعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا الى قوله تعالى وادعوا ثبورا كثيرا وغير هذا من الاقوال لا يعول عليه كقول من قال ان الاشارة راجعة الى الكنز والجنة
لقوله تعالى او يلقى اليه كنز او تكون له جنة. الاية وكقول من قال انها راجعة الى الجنات والقصور المعلقة على المشيئة في قوله تعالى تبارك الذي ان شاء جعل لك خيرا من ذلك
جنات تجري من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا والتحقيق ان شاء الله انه لما ذكر شدة عذاب النار وفظاعته قال كذلك العذاب خير. ام جنة الخلد؟ الاية وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الاية الكريمة
جاء ايضا في غير هذا الموضع لقوله تعالى في سورة الصافات ان هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون. اذلك خير النزلاء؟ ام شجرة الزقوم انا جعلناها فتنة للظالمين
انها شجرة تخرج في اصل الجحيم طلعها كانه رؤوس الشياطين انهم لاكلون منها منها البطون الى قوله يهرعون وكقوله تعالى افمن يلقى في النار خير امن يأتي امنا يوم القيامة الاية
وفي هذه الايات وامثالها في القرآن اشكال معروف وهو ان يقال لفظة خير في الايات المذكورة صيغة تفضيل كما قال في الكافية وغالبا اغناهم خير وشر عن قولهم اخير منه واشر
كما قدمناه موضحا في سورة النحل الكلام على قوله تعالى للذين احسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الاخرة خير. الاية والمعروف في علم العربية ان صيغة التفضيل تقتضي المشاركة بين المفضل والمفضل عليه
فيما فيه التفضيل الا ان المفضل اكثر فيه وافضل من المفضل عليه ومعلوم ان المفضل عليه الايات المذكورة الذي هو عذاب النار لا خير فيه البتة واذا فصيغة التفضيل فيها اشكال
الجواب عن هذا الاشكال من وجهين الاول ان صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن وفي اللغة مرادا بها مطلق الاتصاف لا تفضيل شيء على شيء وقد قدمناه مرارا واكثرنا من شواهده العربية
في سورة النور وغيرها الثاني ان من اساليب اللغة العربية انهم اذا ارادوا تخصيص شيء بالفضيلة دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل كقول حسان ابن ثابت
رضي الله عنه اتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء وكقول العرب الشقاء احب اليك؟ ام السعادة وكقوله تعالى قال ربي السجن احب الي الاية قال ابو حيان في البحر المحيط
في قوله تعالى اذلك خير الاية وخير هنا ليست تدل على الافضلية بل هي على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقوله فشركما لخيركما الفداء
كقول العرب الشقاء احب اليك ام السعادة وكقوله السجن احب الي مما يدعونني اليه وهذا الاستفهام على سبيل التوقيف والتوبيخ انتهى الغرض من كلام ابي حيان وعلى كل حال عذاب النار شر محض. لا يخالطه خير البتة
كما لا يخفى والوجهان المذكوران في الجواب متقاربان وقوله تعالى في هذه الاية ام جنة الخلد التي وعد المتقون العائد محذوف اي وعدها المتقون والاية تدل على ان الوعد الصادق بالجنة
يحصل بسبب التقوى وقد قدمنا الايات الدالة على ذلك بايضاح في سورة النحل الكلام على قوله تعالى كذلك يجزي الله المتقين وقوله تعالى لهم فيها ما يشاؤون. العائد ايضا محذوف كالذي قبله
اي ما يشاؤون وحذف العائد المنصوب بالفعل او الوصف كثير كما قال في الخلاصة والحذف عندهم كثير منجلي بعائد متصل ان انتصب بفعل او وصف كمن نرجو يهب هذه الاية الكريمة
تدل على ان اهل الجنة يجدون كل ما يشاؤون من انواع النعيم وقد قدمنا الايات الدالة على ذلك في سورة النحل الكلام على قوله تعالى جنات وعدن يدخلونها تجري من تحتها الانهار
لهم فيها ما يشاؤون الايات المذكورة تدل على ان حصول كل ما يشاءه الانسان لا يكون الا في الجنة وقوله كانت لهم جزاء ومصيرا المصير مكان الصيرورة وقد مدح الله جزاءهم ومحله
قوله تعالى نعم الثواب وحسنت مرتفقا لان حسن المكان وجودته من انواع النعيم وقوله بهذه الاية الكريمة كان على ربك وعدا مسئولا فيه وجهان معروفان احدهما ان معنى كونه مسؤولا
ان المؤمنين كانوا يسألونه كانت الملائكة ايضا تسأله لهم اما سؤال المسلمين له وقد ذكره تعالى بقوله عنهم ربنا واتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة انك لا تخلف الميعاد
وسؤال الملائكة لهم اياه ذكره تعالى ايضا في قوله ربنا وادخلهم جنات عدن التي وعدتهم. الاية وقال بعض العلماء مسؤولا اي واجبا لان ما وعد الله به فهو واجب الوقوع
لانه لا يخلف الميعاد وهو جل وعلا يوجب على نفسه بوعده الصادق ما شاء لا معقب لحكمه ويستأنس لهذا القول بلفظة علا. في قوله كان على ربك وعدا مسئولا لقوله تعالى
وكان حقا علينا نصر المؤمنين قال بعض اهل العلم ان المسلمين يوم القيامة يقولون قد فعلنا في دار الدنيا كلما امرتنا به فانجز لنا ما وعدتنا والقولان الاولان اقرب من هذا
والعلم عند الله تعالى في هذا ايها المستمع الكريم ينتهي بنا المطاف ولنا لقاء اخر ان شاء الله حتى نلتقي نستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
