يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون
منهم الا كالانعام. بل هم اضل سبيلا ام في هذه الاية الكريمة هي المنقطعة واشهر معانيها انها جامعة بين معنى بل الاضرابية واستفهام الانكار مع والاضراب المدلول عليه بها هنا
اضراب انتقالي والمعنى بل اتحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون اي لا تعتقد ذلك ولا تظن فانهم لا يسمعون الحق ولا يعقلون اي لا يدركونه بعقولهم منهم الا كالانعام اي معهم الا كالانعام
التي هي الابل والبقر والغنم في عدم سماع الحق وادراكه بل هم اضل من الانعام اي ابعد عن فهم الحق وادراكه وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة بل هم اضل سبيلا
قال الزمخشري وان قلت كيف جعلوا اضل من الانعام قلت لان الانعام تنقاد لاربابها التي تعلفها وتتعهدها وتعرف من يحسن اليها ممن يسيء اليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها
وتهتدي لمراعيها ومشاربها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون احسانه اليهم من اساءة الشيطان الذي هو عدوهم ولا يطلبون الثواب الذي هو اعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو اشد المضار والمهالك
ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي انتهى منه واذا علمت ما دلت عليه هذه الاية الكريمة فاعلم ان الله بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الاعراف
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم اذان لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون
وقوله تعالى في البقرة ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون قوله تعالى وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا
وجعل النهار نشورا ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة انه هو الذي جعل لخلقه الليل لباسا والنوم سباتا وجعل لهم النهار نشورا اما جعله لهم الليل لباسا الظاهر انه لما جعل الليل
يغطي جميع من في الارض بظلامه صار لباسا لهم يسترهم كما يستر اللباس عورة صاحبه وربما انتفعوا بلباس الليل كهروب الاسير المسلم من الكفار في ظلام الليل واستتاره بهم حتى ينجو منهم. ونحو ذلك من الفوائد
التي تحصل بسبب لباس الليل كما قال ابو الطيب المتنبي وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر ان المانوية تكذب الاعداء تسري اليهم وزارك فيه ذو الدلال المحجب واما جعله لهم النوم سباتا
فاكثر المفسرين على ان المراد بالسبات الراحة من تعب العمل بالنهار لان النوم يقطع العمل النهاري فينقطع به التعب وتحصل الاستراحة كما هو معروف وقال الجوهري في صحاحه السبات النوم
واصله الراحة منه قوله تعالى وجعلنا نومكم سباتا وقال الزمخشري في الكشاف السبات الموت والمسبوت الميت لانه مقطوع الحياة وهذا كقوله وهو الذي يتوفاكم بالليل فان قلت هلا فسرت ذو بالراحة
قلت النشور في مقابلته يأباه اباء العيوف الورد انتهى محل الغرض منه وايضاح كلامه ان النشور هو الحياة بعد الموت كما تقدم ايضاحه وعليه فقوله وجعل النهار نشورا اي حياة بعد الموت
وعليه الموت هو المعبر عنه بالسبات في قوله والنوم سباتا واطلاق الموت على النوم معروف في القرآن العظيم كقوله تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم بي
وقوله ثم يبعثكم فيه فيه دليل على ما ذكره الزمخشري لان كلا من البعث والنشور يطلق على الحياة بعد الموت كقوله تعالى الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها
فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى الى اجل مسمى وقال الجوهري في صحاحه والمسبوت الميت والمغشي عليه انتهى والذين قالوا ان السبات في الاية الراحة بسبب النوم من تعب العمل بالنهار
قالوا ان معنى قوله تعالى وجعل النهار نشورا انهم ينشرون فيه بمعايشهم ومكاسبهم واسبابهم والظاهر ان هذا التفسير فيه حذف مضاف او هو من النعت بالمصدر وهذا التفسير يدل عليه قوله تعالى وجعلنا النهار معاشا
وقوله تعالى في القصص ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله اي لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار السعي للمعاش واذا علمت هذا فاعلم ان ما دلت عليه هذه الاية الكريمة
جاء موضحا في مواضع اخر قوله تعالى وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وقوله تعالى قل ارأيتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا الى يوم القيامة من اله غير الله ياتيكم بضياء
افلا تسمعون قل ارأيتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا الى يوم القيامة من اله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه افلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله
ولعلكم تشكرون وقوله تعالى وجعلنا الليل والنهار ايتين فمحونا اية الليل وجعلنا اية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب الاية وقد اوضحنا هذا في الكلام على هذه الاية
كقوله تعالى والليل اذا يغشى والنهار اذا تجلى وقوله تعالى والنهار اذا جلاها والليل اذا يغشاها الى غير ذلك من الايات وفي الايات المذكورة بيان ان الليل والنهار ايتان من اياته
ونعمتان من نعمه جل وعلا فله الحمد والشكر بهذا ايها المستمع الكريم نأتي على نهاية لقائنا وعسى ان يجمعنا بكم لقاء اخر قريب ان شاء الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
