يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمعون الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى وقالوا قلوبنا في اكنة مما تدعون اليه
وفي اذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب شكر الله جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان الكفار صرحوا للنبي صلى الله عليه وسلم بانهم لا يستجيبون له ولا يؤمنون به
ولا يقبلون منه ما جاءهم به وقالوا له قلوبنا التي نعقل بها ونفهم في اكنه اي في اغطية والاكنة جمع كنان وهو الغطاء والغلاف الذي يغطي الشيء ويمنعه من الوصول اليه
ويعنون ان تلك الاغطية مانعة لهم من فهم ما يدعوهم اليه صلى الله عليه وسلم وقالوا ان في اذانهم التي يسمعون بها وقرا اي ثقلا وهو الصمم وان ذلك الصمم مانع لهم من ان يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا
ومما يقول كما قال تعالى عنهم وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه وان من بينهم وبينه حجابا مانعا لهم من الاتصال والاتفاق لان ذلك الحجاب يحجب كلا منهما عن الاخر
ويحول بينهم وبين رؤية ما يبديه صلى الله عليه وسلم من الحق والله جل وعلا ذكر عنهم هذا الكلام في معرض الذم مع انه تعالى صرح بانه جعل على قلوبهم الاكنة
وفي اذانهم الوقر وجعل بينهم وبين رسوله حجابا عند قراءته القرآن قال تعالى في سورة بني اسرائيل واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه
وفي اذانهم وقرا وقال تعالى في الانعام ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي اذانهم وقرا وان يروا كل اية لا يؤمنوا بها وقال تعالى في الكهف
انا جعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي اذانهم وقرا وان تدعوهم الى الهدى فلن يهتدوا اذا ابدا وهذا الاشكال الذي اشرنا اليه في هذه الايات قوي ووجه كونه مشكلا ظاهر
لانه تعالى ذمهم على دعواهم الاكنة والوقر والحجاب في هذه الاية الكريمة منه فصلت وبين في الايات الاخرى ان ما ذمهم على ادعائه واقع بهم فعلا وانه تعالى هو الذي جعله فيهم
فيقال فكيف يذمون على قول شيء هو حق في نفس الامر والتحقيق في الجواب عن هذا الاشكال هو ما ذكرناه مرارا من ان الله انما جعل على قلوبهم الاكنة وطبع عليها وختم عليها
وجعل الوقر في اذانهم ونحو ذلك من الموانع من الهدى بسبب انهم بادروا الى الكفر وتكذيب الرسل طائعين مختارين فجزاهم الله على ذلك الذنب الاعظم طمس البصيرة والعمى عن الهدى
جزاء وفاقا بل اكن والوقر والحجاب المذكورة انما جعلها الله عليهم مجازاة لكفرهم الاول ومن جزاء السيئة تمادي صاحبها في الضلال ولله الحكمة البالغة في ذلك والايات المصرحة بهذا المعنى
كثيرة في القرآن كقوله تعالى وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم وقول اليهود في هذه الاية قلوبنا غلف كقول كفار مكة قلوبنا في اكنة لان الغلف جمع اغلف
وهو الذي عليه غلاف والاكنة جمع كنان والغلاف والكنان كلاهما بمعنى الغطاء الساتر وقد رد الله على اليهود دعواهم ببل التي هي للاضراب الابطالي في قوله بل طبع الله عليها بكفرهم
فالباء في قوله بكفرهم سببية وهي دالة على ان سبب الطبع على قلوبهم هو كفرهم ولكنة والوقر والطبع كلها من باب واحد وكقوله تعالى ذلك بانهم امنوا ثم كفروا فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون
والفاء في قوله فطبع سببية اي ثم كفروا فطبع على قلوبهم بسبب ذلك الكفر وقد قدمنا مرارا انه تقرر في الاصول ان الفاء من حروف التعليم ومن المعلوم ان العلة الشرعية سبب شرعي
وكذلك الفاء في قوله فهم لا يفقهون فهي سببية ايضا اي فطبع على قلوبهم فهم بسبب ذلك الطبع لا يفقهون اي لا يفهمون من براهين الله وحججه شيئا وذلك مما يبين
ان الطبع والاكنة يؤول معناهما الى شيء واحد وهو ما ينشأ عن كل منهما من عدم الفهم لانه قال في الطبع وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون وقال في الاكنة
وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه اي كراهة ان يفقهوه او لاجل الا يفقهوه. كما قدمنا ايضاحه وكقوله تعالى فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم فبين ان زيغهم الاول كان سببا لازاغة الله قلوبهم
وتلك الازاغة قد تكون بالاكنة والطبع والختم على القلوب كقوله تعالى في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقوله تعالى ونقلب افئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة الاية وقوله تعالى
واما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم الاية ايها المستمع الكريم ندعو اكمال تفسير الاية والجواب عن الاشكال للحلقة القادمة بتصرم وقت لقائنا دونه حتى نلقاكم ان شاء الله
نستودعكم الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
