يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نمضي مع المؤلف رحمه الله في تفسير سورة الدخان
قال اجزل الله مثوبته ورفع درجته قوله تعالى انا انزلناه في ليلة مباركة ابهم تعالى هذه الليلة المباركة هنا ولكنه بين انها هي ليلة القدر في قوله تعالى انا انزلناه في ليلة القدر
وبين كونها مباركة المذكورة هنا في قوله تعالى ليلة القدر خير من الف شهر الى اخر السورة فقوله في ليلة مباركة اي كثيرة البركات والخيرات ولا شك ان ليلة هي خير من الف شهر
الى اخر الصفات التي وصفت بها في سورة القدر انها كثيرة البركات والخيرات جدا وقد بين تعالى ان هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر التي انزل فيها القرآن من شهر رمضان
في قوله تعالى شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن فدعوى انها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة وغيره لا شك في انها دعوة باطلة لمخالفتها لنص القرآن الصريح
ولا شك ان كل ما خالف الحق فهو باطل والاحاديث التي يوردها بعضهم في انها من شعبان المخالفة لصريح القرآن لا اساس لها ولا يصح سند شيء منها كما جزم به ابن العربي
وغير واحد من المحققين العجب كل العجب من مسلم يخالف نص القرآن الصريح بلا مستند كتاب ولا سنة صحيحة قوله تعالى فيها يفرق كل امر حكيم امرا من عندنا معنى قوله يفرق
ايه يفصل ويبين ويكتب في الليلة المباركة التي هي ليلة القدر كل امر حكيم اي ذي حكمة بالغة لان كل ما يفعله الله مشتمل على انواع الحكم الباهرة وقال بعضهم حكيم اي محكم لا تغيير فيه ولا تبديل
وكلا الامرين حق لان ما سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل ولان جميع افعاله في غاية الحكمة وهي في الاصطلاح وضع الامور في مواضعها وايقاعها في مواقعها وايضاح معنى الاية
ان الله تبارك وتعالى في كل ليلة قدر من السنة يبين للملائكة ويكتب لهم بالتفصيل والايضاح جميع ما يقع في تلك السنة الى ليلة القدر من السنة الجديدة فتبين في ذلك الاجال والارزاق
والفقر والغنى والخصب والجدب والصحة والمرض والحروب والزلازل وجميع ما يقع في تلك السنة كائنا ما كان قال الزمخشري في الكشاف ومعنى يفرق يفصل ويكتب كل امر حكيم من ارزاق العباد واجالهم
وجميع امورهم فيها الى الاخرى القابلة الى ان قال فتدفع نسخة الارزاق الى ميكائيل ونسخة الحروب الى جبرائيل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ونسخة الاعمال الى اسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم
ونسخة المصائب الى ملك الموت انتهى محل الغرض منه بلفظه قال المؤلف رحمه الله ومرادنا بيان معنى الاية لا التزام صحة دفع النسخ المذكورة للملائكة المذكورين لانا لم نعلم له مستندا
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الاية الكريمة يدل ايضا على ان الليلة المباركة هي ليلة القدر فهو بيان قرآني اخر وايضاح ذلك ان معنى قوله انا انزلناه في ليلة القدر
اي في ليلة التقدير لجميع امور السنة من رزق وموت وحياة وولادة ومرض وصحة وخصب وجذب وغير ذلك من جميع امور السنة قال بعضهم حتى ان الرجل لينكح ويتصرف في اموره ويولد له
وقد خرج اسمه في الموتى في تلك السنة وعلى هذا التفسير الصحيح لليلة القدر التقدير المذكور هو بعينه المراد بقوله فيها يفرق كل امر حكيم وقد قدمنا في سورة الانبياء
في الكلام على قوله تعالى فظن ان لن نقدر عليه ان قدر بفتح الدال مخففا يقدر ويقدر بالكسر والضم فيضرب وينصر قدرا بمعنى قدر تقديرا وان ثعلبا انشد لذلك قول الشاعر
فليست عشيات الحمى برواجع لنا ابدا ما اورق السلم النضر ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر وبينا هناك ان ذلك هو معنى ليلة القدر
لان الله يقدر فيها وقائع السنة وبينا ان ذلك هو معنى قوله تعالى فيها يفرق كل امر حكيم واوضحنا هناك ان القدر بفتح الدال والقدر بسكونها هما ما يقدره الله من قضائه
ومنه قول هدبة بن الخشرم الا يا لقومي للنوائب والقدر وللامر ياتي المرء من حيث لا يدري واعلم ان قول من قال انها سميت ليلة القدر لعظمها وشرفها على غيرها من الليالي
من قولهم فلان ذو قدر شرف ومكانة رفيعة لا ينافي القول الاول اتصافها بالامرين معا وصحة وصفها بكل منهما كما اوضحنا مثله مرارا واختلف العلماء في اعراب قوله امرا من عندنا
قال بعضهم هو مصدر منكر في موضع الحال اي انزلناهم في حال كوننا امرين به وممن قال بهذا الاخفش وقال بعضهم هو ما ناب عن المطلق من قوله انزلناه وجعل امرا بمعنى انزالا
وممن قال به المبرد وقال بعضهم هو ما ناب عن المطلق من يفرق وجعل امرا بمعنى فرقا او فرق بمعنى امر وممن قال بهذا الفراء والزج وقال بعضهم هو حال من امر
اي يفرق فيها كل امر حكيم في حال كونه امرا من عندنا وهذا الوجه جيد ظاهر وانما صاغ اتيان الحال من النكرة وهي متأخرة عنها لان النكرة التي هي امر وصفت بقوله حكيم كما لا يخفى
وقال بعضهم امرا مفعول به لقوله منذرين وقيل غير ذلك واختار الزمخشري انه منصوب بالاختصاص وقال جعل كل امر جزلا فخما بان وصفه بالحكيم ثم زاده جزالة واكسبه فخامة بان قال اعني بهذا الامر امرا حاصلا من عندنا
كائنا من لدنا وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا وهذا الوجه ايضا ممكن والعلم عند الله تعالى ايها المستمع الكريم حسبنا من لقائنا ما مضى ولنا ان شاء الله بكم لقاء اخر
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
