يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمعون الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لا نزال مع المؤلف في حديثه حول قول الله تعالى افلا يتدبرون القرآن الاية
قال رحمه الله رحمة واسعة تنبيه مهم فان قيل دل الكتاب والسنة واجماع السلف على ان الله وصف نفسه بصفة اليدين كقوله تعالى ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي
وقوله تعالى بل يداه مبسوطتان وقوله تعالى وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه. الاية والاحاديث الدالة على مثل ما دلت عليه الايات المذكورة
كثيرة كما هو معلوم واجمع المسلمون على ان الله جل وعلا لا يجوز ان يوصف بصفة الايدي مع انه قال تعالى اولم يروا انا خلقنا لهم مما عملت ايدينا انعاما فهم لها مالكون
فلما اجمع المسلمون على تقديم اية لما خلقت بيدي على اية مما عملت ايدينا الجواب انه لا خلاف بين اهل اللسان العربي ولا بين المسلمين ان صيغ الجموع تأتي لمعنيين
احدهما ارادة التعظيم فقط فلا يدخل في صيغة الجمع تعدد اصلا لان صيغة الجمع المراد بها التعظيم انما يراد بها واحد والثاني ان يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف واذا علمت ذلك
فاعلم ان القرآن العظيم يكثر فيه جدا اطلاق الله جل وعلا على نفسه صيغة الجمع يريد بذلك تعظيم نفسه ولا يريد بذلك تعددا ولا ان معه غيرة سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا
كقوله تعالى انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون وصيغة الجمع في قوله انا وقوله نحن وقوله نزلنا وقوله حافظون لا يراد بها ان معه منزلا للذكر وحافظا له غيره تعالى
بل هو وحده المنزل له والحافظ له وكذلك قوله تعالى افرأيتم ما تمنون اانتم تخلقونه ام نحن الخالقون وقوله اانتم انزلتموه من المزن؟ ام نحن المنزلون وقوله اانتم انشأتم شجرتها
ام نحن المنشئون ونحو هذا كثير في القرآن جدا وبه تعلم ان صيغة الجمع في قوله ان وفي قوله خلقنا وفي قوله عملت ايدينا انما يراد بها التعظيم ولا يراد بها التعدد اصلا
واذا كان يراد بها التعظيم لا التعدد علم بذلك انها لا تصح بها معارضة قوله لما خلقت بيدي لانها دلت على صفة اليدين والجمع في قوله ايدينا لمجرد التعظيم وما كان كذلك
ما يدل على التعدد فيطلب الدليل من غيره وان دل على ان المراد بالتعظيم واحد حكم بذلك كالايات المتقدمة وان دل على معنى اخر حكم به وقوله مثلا وانا له لحافظون
قام فيه البرهان القطعي انه حافظ وحده كذلك قوله ام نحن الخالقون وقوله ام نحن المنزلون وقوله ام نحن المنشئون فانه قد قام في كل ذلك البرهان القطعي على انه خالق واحد
ومنزل واحد ومنشأ واحد واما قوله مما عملت ايدينا فقد دل البرهان القطعي على ان الله موصوف بصفة اليدين كما صرح به في قوله لما خلقت بيدي كما تقدم ايضاحه قريبا
وقد علمت ان صيغة الجمع في قوله لحافظون وقوله ام نحن الخالقون وقوله ام نحن المنزلون وقوله ام نحن المنشئون وقوله خلقنا لهم مما عملت ايدينا لا يراد بشيء منه معنى الجمع
وانما يراد به التعظيم فقط وقد اجاب ابو الحسن الاشعري رحمه الله في كتاب الابانة بما يقرب من هذا في المعنى واعلم ان لفظ اليدين قد يستعمل في اللغة العربية استعمالا خاصا بلفظ خاص
لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة وانما يراد به معنى امام اللفظ المختص بهذا المعنى ولفظة اليدين التي اضيفت اليها لفظة بينا خاصة اعني لفظة بين يديه
فان المراد بهذه اللفظة امامه وهو استعمال عربي معروف ومشهور في لغة العرب لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا القدرة ولا اي صفة كائنة ما كانت وانما يراد به امام فقط
لقوله تعالى وقالوا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه اي ولا بالذي كان امامه سابقا عليه من الكتب وكقوله تعالى مصدقا لما بين يديه من التوراة اي مصدقا لما كان امامه متقدما عليه
من التوراة وكقوله فزينوا لهم ما بين ايديهم وما خلفهم المراد بلفظ ما بين ايديهم ما امامهم وكقوله تعالى وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته اي يرسلوا الرياح مبشرات
امام رحمته التي هي المطر الى غير ذلك من الايات ومما يوضح لك ذلك انه لا يمكن تأويل اليدين في ذلك بنعمتين ولا قدرتين ولا جارحتين ولا غير ذلك من الصفات
فهذا اسلوب خاص دل على معنى خاص بلفظ خاص وهو مشهور في كلام العرب فلا صلة له باللفظ الدال على الجارحة بالنسبة الى الانسان ولا باللفظ الدال على صفة الكمال والجلال
الثابتة لله تعالى افهم وبهذا التنبيه من المؤلف رحمه الله نأتي على نهاية لقائنا هذا آملا ان يكون لنا معكم لقاء اخر قريب ان شاء الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
