يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمعون الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى نحن خلقناكم فلولا تصدقون لما انكر الكفار بعثهم وابائهم الاولين
وامر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ان يخبرهم ان الله تعالى باعث جميع الاولين والاخرين وذكر جزاء منكري البعث باكل الزقوم وشرب الحميم اتبع ذلك بالبراهين القاطعة الدالة على البعث
فقال نحن خلقناكم هذا الخلق الاول فلولا تصدقون هلا تصدقون بالبعث الذي هو الخلق الثاني لان اعادة الخلق لا يمكن ان تكون اصعب من ابتدائه كما لا يخفى وهذا البرهان على البعث
بدلالة الخلق الاول على الخلق الثاني جاء موضحا في ايات كثيرة جدا كقوله جل وعلا وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو اهون عليه وقوله سبحانه كما بدأنا اول خلق نعيده
وعدا علينا انا كنا فاعلين وقوله تعالى يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب وقوله تعالى قل يحييها الذي انشأها اول مرة وقوله تعالى فسيقولون من يعيدنا
وللذي فطركم اول مرة والايات بمثل هذا كثيرة معلومة وقد ذكرناها بايضاح وكثرة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك. في سورة البقرة والنحل والحج والجاذية وغير ذلك من المواضع. واحلنا عليها كثيرا
وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة فلولا تصدقون لولا حرف تحضيض ومعناه الطلب بحث وشدة والاية تدل على شدة حث الله للكفار وحظه لهم على التصديق بالبعث لظهور برهانه القاطع
الذي هو خلقه لهم اولا قوله تعالى افرأيتم ما تمنون اانتم تخلقونه؟ ام نحن الخالقون قد قدمنا قريبا كلام اهل العلم في همزة الاستفهام المتبوعة باداة عطف وذكرناه قبل هذا مرارا
وقوله تعالى افرأيتم ما تمنون لفظة ما موصولة والجملة الفعلية صلة الموصول والعائد الى الصفة محذوف لانه منصوب بفعل والتقدير افرأيتم ما تمنونه والعرب تقول امنا نطفة بصيغة الرباعي يمنيها بضم حرف المضارعة
ومنه قوله تعالى من نطفة اذا تمنا وتقول من يمني بصيغة الثلاثي؟ لغة صحيحة الا ان القراءة بها شاذة وممن قرأ تمنون بفتح التاء مضارع منا الثلاثي المجرد ابو الشمال وابن السميقع
وقوله تعالى اانتم تخلقونه ام نحن الخالقون استفهام تقرير فانهم لابد ان يقولوا انتم الخالقون ويقال لهم اذا كنا خلقنا هذا الانسان الخصيم المبين من تلك النطفة فكيف تكذبون بقدرتنا على خلقه مرة اخرى
وانتم تعلمون ان الاعادة لا يمكن ان تكون اصعب من الابتلاء الضمير المنصوب في تخلقونه عائد الى الموصول اي تخلقون ما تمنونه من النطف علقا ثم مضغا الى اخر اطواره
وهذا الذي تضمنته هذه الاية من البراهين القاطعة على كمال قدرة الله على البعث وغيره وعلى انه المعبود وحده ببيان اطوال خلق الانسان جاء موضحا في ايات اخر وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفا بالايات القرآنية
وبينا ما يتعلق بكل طور من اطواره من الاحكام الشرعية في سورة الحج الكلام على قوله تعالى يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب. الاية
وذكرنا اطوار خلق الانسان في سورة الرحمن ايضا في الكلام على قوله تعالى خلق الانسان علمه البيان وفي غير ذلك من المواضع وبينا الايات الدالة على اطوار خلقه جملة وتفصيلا في سورة الحج
قال رحمه الله تنبيه هذا البرهان الدال على البعث الذي هو خلق الانسان من نطفة مني قمنا يجب على كل انسان النظر فيه لان الله جل وعلا وجه صفة الامر بالنظر فيه
الى مني الانسان والاصل في صيغة الامر على التحقيق الوجوب الا لدليل صارف عنه وذلك في قوله تعالى فلينظر الانسان مما خلق؟ خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب
الاية وقد قدمنا شرحها في اول سورة النحل وقرأ هذا الحرف نافع افرأيتم بتسهيل الهمزة بعد الراء بين بين والرواية المشهورة التي بها الاداء عن ورش عنه ابدال الهمزة الفا واشباعها
لسكون الياء بعدها وقرأه الكسائي افريتم بحذف الهمزة وقرأه باقي السبعة بتحقيق الهمزة وقوله تعالى اانتم قرأه نافع وابن كثير وابو عمرو وهشام عن ابن عامر في احدى الروايتين بتسهيل الهمزة الثانية
والرواية المشهورة التي بها الاداء عن ورش عن نافع ابدال الثانية الفا مشبعا مدها لسكون النون بعدها وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وهشام عن ابن عامر في الرواية الاخرى بتحقيق الهمزتين
وقالون وابو عمرو وهشام بالف الادخال بين الهمزتين والباقون قرأوا بدونها قوله تعالى نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على ان نبدل امثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة
غير ابن كثير قدرنا بتشديد الداء وقرأه ابن كثير بتخفيفها وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ان الاية الكريمة قد يكون فيها وجهان او اكثر من التفسير ويكون كل ذلك صحيحا
وكله يشهد له قرآن فنذكر الجميع وادلته من القرآن الكريم ومن ذلك هذه الاية وايضاح ذلك ان قوله قدرنا فيه وجهان من التفسير وفيما تتعلق به على ان نبدل وجهان ايضا
فقال بعض العلماء وهو اختيار ابن جرير ان قوله قدرنا بينكم الموت اي قدرنا لموتكم اجالا مختلفة واعمارا متفاوتة فمنكم من يموت صغيرا ومنكم من يموت شابا ومنكم من يموت شيخا
وهذا المعنى دلت عليه ايات كثيرة من كتاب الله كقوله جل وعلا ثم لتبلغوا اشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل العمر وقوله تعالى ثم لتبلغوا اشدكم ثم لتكونوا شيوخا. ومنكم من يتوفى من قبل
ولتبلغوا اجلا مسمى ولعلكم تعقلون وقوله تعالى وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره الا في كتاب وقوله تعالى ولن يؤخر الله نفسا اذا جاء اجلها ايها المستمعون الكرام
ندع بقية حديث المؤلف حول الاية الى لقائنا القادم لتصرم وقتنا هذا دونه وحتى نلقاكم باذن الله نستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
