وقوله سبحانه هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. التي ذكرها رحمه الله للاستدلال على ما تقدم من وجوب اثبات ما اثبته الله لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل
قوله جل وعلا في الخبر عنه هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم يخبر الله تعالى عن نفسه بهذه الاسماء الاربعة ثم يختم ذلك ببيان سعة علمه وان علمه قد وسع كل شيء سبحانه وتعالى واحاط بكل شيء فقال وهو بكل شيء عليم
هذه الاسماء الاربعة جاء بيانها وتفسيرها عن من لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه ففي صحيح الامام مسلم من حديث ابي هريرة رضي الله تعالى عنه في ذكر النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم في افتتاح صلاته انه كان يقول صلى الله عليه
وسلم هو الاول الاول الذي ليس قبله شيء والاخر الذي ليس بعده شيء والظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء فهذه الاسماء الاربعة فسرها رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم وبينها بيانا جليا واضحا
ينبغي لكل مؤمن ان يوقن بخبره صلى الله عليه وسلم فنثبت هذه الاسماء لله عز وجل على نحو ما جاء في الكتاب والسنة فهو الاول والاخر. وهو الظاهر والباطن. وهو سبحانه وتعالى بكل شيء عليم
وبالنظر الى هذه الاسماء الاربعة نجد ان الاول والاخر مقترنان متقابلان في المعنى. ولذلك قال هو الاول الذي ليس قبله شيء. والاخر الذي ليس بعده شيء اسم الظاهر والباطن متقابلان
ومعناهما الظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء سبحانه وبحمده  هذه الاسماء المقترنة لا يتم معنى الكمال فيها الا باقترانها ولذلك تسمى اسماء المقترنة او المزدوجة التي يحصل الكمال
في وصف الرب عند ذكرها بذكرها وذكر مقابلها ولهذا لا يفرد شيء من هذه الاسماء بالذكر دون الاخر لان ذلك لا يكمل به المعنى  المراد بذكرها ولهذا كان ذكر هذه الاسماء في الكتاب والسنة مقترنا
وكذلك سائر الاسماء التي على هذا النحو التي لا يحصر كمال ادراك المعنى الا باجتماعها مثل النافع الضار المعطي المانع فان المانع والضار ونحو ذلك لا يتحقق معنى الكمال الا بذكر مقابله من الاسماء
كما ان انفراد بعض هذه الاسماء بالذكر يوهم النقص. ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في هذه الاسماء قال هذا ومن اسمائه ما ليس يفرد بل يقال اذا اتى بقران يعني يقال مقترنا وهي التي تدعى بمزدوجاتها افرادها
اي ذكرها منفردة دون ذكر ما يقابلها خطر على الانسان. ليش؟ اذ ذاك موهم نوع نقص جل رب العرش عن عيب وعن نقصان فاذا قلت الظاء كان ذلك موهما نقصا في الرب جل وعلا لكن اذا قلت النافع الضار
كان ذلك كمالا. اذا قلت المانع منفردا كان ذلك موهما للنقص. لكن اذا قلت المعطي المانع كان ذلك  مكملا للمعنى دافعا لما يمكن ان يتوهم من النقص ولذلك مثل قال كالمانع المعطي وكالضار الذي هو نافع وكماله الامران اي يحصل الكمال
في هذه الاسماء بذكر الامرين ونظير هذا القابظ المقرون باسم الباسط اللفظاني مقترنان فالاول والاخر والظاهر والباطن كمالهما في ذكر الاسم وما يقابله. ولهذا لا يصلح ان ان يتسمى الانسان بعبد الباطل
او عبد الاخر لانك او عبد الضار او عبد المانع فان هذه وان كانت من اسماء الله لكنها لا تذكر منفردة انما تذكر مقرون لان انفرادها يوهم النقص هذا السبب الاول. الثاني لان كمال
الكمال المنشود بذكر هذه الاسماء يتوقف على الاخر وبالنظر الى هذه الاسماء الاربعة التي ذكرها الله تعالى في هذه الاية الكريمة هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم تأمل
كيف ساق الله عز وجل هذه الاسماء متعاطفات بما يفيد التغاير وهذا تنبيه الى ان كل معنى من هذه المعاني مقصود اثباته واذا تأملت باسماء الله وسياقها تجد انها لا تذكر متعاطفة انما تذكر متتابعة اما وصفا او نحو ذلك بسم
الرحمن الرحيم ما قال بسم الله والرحمن والرحيم هو الله لا اله الا هو الحي القيوم ما قال الحي والقيوم هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر. ما قال الملك والعزيز
والجبار والمتكبر هنا قال هو الاول والاخر والظاهر والباطن هذه اشارة الى ان كل معنى من هذه المعاني مقصود اثباته ولذلك جاءت متعاطفة بالواو الدالة على التغاير بين المذكورات من الاسماء
الاول والاخر يثبتان الاحاطة الزمانية فهو الاول الذي ليس قبله شيء سبحانه وبحمده كان الله ولم يكن شيء قبله وهو الاخر الذي ليس بعده شيء فقد احاط بكل شيء زمانا سبحانه وبحمده
والثاني الظاهر والباطن الظاهر ظهور علو فهو العلي الاعلى سبحانه وبحمده. اامنتم من في السماء وهو العلي العظيم سبح اسم ربك الاعلى الرحمن على العرش استوى. فالله تعالى علي على خلقه سبحانه وبحمده
وهذا من ظهوره فمن معنى الظهور العلو على الخلق ولذلك فسره النبي صلى الله عليه وسلم فقال الذي ليس فوقه شيء فهو فوق كل شيء سبحانه وبحمده والفوقية هنا فوقية ذات
وفوقية قدر وفوقية قهر فكلها ثابتة له جل في علاه وفوقية ثبوت فليس شيء اظهر من الله عز وجل في كل شيء له اية تدل على انه واحد سنريهم اياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق
فهو الظاهر سبحانه وبحمده لا ينكره الا من اعمى الله بصيرته واعمى الله قلبه واما اهل البصائر فيشهدون انه ظاهر في كل شيء سبحانه وبحمده في كل شيء له اية تدل عليه سبحانه وبحمده وهذا من معنى الظاهر
واما الباطل فالباطل الذي ليس دونه شيء هذا يفيدك مال احاطته وبطونه جل في علاه لا يستلزم اي معنى من معاني النقص ولا ولا ينافي علوه وظهوره جل في علاه
فهو العالي الظاهر وهو جل وعلا العالي في دنوه والظاهر في بطونه جل في علاه سبحانه وبحمده وهذا لا تقل فيه كيف فانه لا يسأل فيما يتعلق باسماء الله وصفاته لا بلا بكيف ولا لما فليس كمثله شيء وهو السميع البصير
ومن بطونه قربه العام الذي احاط فيه بجميع خلقه فهو بكل شيء محيط سبحانه وبحمده لا يخفى عليه شيء من عبادة ولا من احوالهم كما قال جل وعلا ما يلفظ من قول الا لديه
رقيب عتيد وكما قال تعالى ونحن اقرب اليه من حبل الوريد وقربه هنا قرب ملائكته جل في علاه ويمكن ان يفسر بقربه العام المحيط بعباده فلا يخلو شيء من دنوه جل في علاه
المفيد احاطته سبحانه وبحمده بكل شيء والاحاطة هنا احاطة مكانية فاحاط الله بكل شيء زمانا واحاط الله عز وجل بكل شيء مكانا فلا يخرج عن احاطته شيء من خلقه. ولكمال هذه الاحاطة ذكر مقتضاها. فقال في ختم الاية
وهو بكل شيء عليم. فمن احاط بكل شيء زمانا ومن احاط بكل شيء مكانا فانه لا يخفى عليه شيء من شؤون خلقه واذا عجز الانسان عن ادراك هذه المعاني باسماء الله وجب عليه ان ينشرح صدرا باثبات
ما اثبته الله لنفسه على مراد الله ومراد رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ويدع ما عجز عن ادراكه مقرا بكمال ربه جل في علاه
ويجب ان يعتقد المؤمن ان هذه الاسماء وهذه الصفات لا يمكن ان ان تستلزم اي معنى باطل او اي معنى من معاني النقص فهو جل وعلا المخبر عن اسمائه بقوله ولله الاسماء الحسنى
ومن حسنها انها لا تدل على نقص في صفات الرب جل وعلا بالكلية. هذا ما يتصل بهذه الاية الذي ذكر المؤلف رحمه الله في سياق الشواهد على طريق اهل السنة والجماعة من اثبات ما اثبته الله لنفسه من غير
تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل وان الله جمع فيما وصف واخبر به عن نفسه بين النفي والاثبات
