الصفحة السابعة والعشرون من القرآن والاية مائة وتسع وسبعون من سورة البقرة. ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب لعلكم تتقون بعد ان بين الباري سبحانه احكام القصاص في اية فرض القصاص. يا ايها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى
ذيل بهذا البيان الالهي المعجز. ولكم في القصاص حياة. ليبين الحكمة من مشروعية القصاص اي لكم يا اولي العقول فيما شرعت لكم من القصاص حياة واي حياة لان من علم انه اذا قتل نفسا قتل بها ابتدع وانزجر عن القتل
تحفظ حياته وحياة من اراد قتله وبذلك تصان الدماء وتحفظ حياة الناس جميعا وفي هذه الاية وقفات اولها القصاص مصدر قصة بمعنى تتبع وهو اي المصدر هذا تتبع الدم اي الجزاء على الذنب بمثله
وقد اقصه اذا اقتص منه منه فجرحه مثل جرحه او قتله قودا قال الشاعر فرم القصاص وكانت تقاص حكما وعدلا على المسلمين هذا البيت جم للساكنين تقاص وهو نادر في الشعر
ثانيا ولكم في القصاص حياة هذه جملة اسمية. قدم خبرها الجار المجرور واخر مبتلغها لان حياة اما التنكير في حياة فيفيد التعظيم بقرينة المقام اي في القصاص حياة لكم اي لنفوسكم
فان فيها ارتداع الناس عن قتل النفوس فلو علم القاتل انه يسلم من الموت لاقدم على القتل. مستخفا بكل العقوبات كما قال سعد بن ناشب لما اصاب دما وهرب فعاقبه امير البصرة بهدم داره
ساغسل عني العار بالسيف جالبا. علي قضاء الله ما كان جالبا واذهل عن داري واجعل هدمها لعرضي من باقي المذمة حاجبا. ويصغر في عيني تلادي اذا انثنت بادراك الذي كنت طالبا
وفي هذه الاية افانين من البلاغة تتبعها علماء البلاغة اذكر منها ما يأتي اولا ايجاز القصار اذ عبر بكلمات معدودات عن اصل اصيل وحكمة بالغة وقد كان العرب يتباهون بقولهم القتل امثال القتل
فجاءت هذه الاية اكثر اجازا وارشق تعبيرا واوقع اثرا واقصر تركيبا واقل حروفا واجمل جرسا ثانيا المجاز المرسل في قوله في القصاص حياة فقد جعل ما هو تفويت للحياة وذهاب بها ظرفا لها. اذ القصاص مجزرة قوية عن اقدام الناس على القتل
ارتفع بسببه القتل عن الناس. وارتفاع سبب الموت ديمومة للحياة ثالثا الكناية في لفظ القصاص كناية عن الموت المستحق الذي يجيبه العدل وهذا يؤدي الى رابعا وهو الطباق بين الحياة والموت
للمفارقة بين الضدين ولا يظهر حسن الضد الا الضد. كما قال الشاعر والضد يظهر حسنه الضد  خامسا الايضاح في لفظ القصاص توضيح للمعنى المراد. اذ هو قتل مقيد. لا قتل مطلق كالذي جاء في اية في في اه
كلمتي للجاهليين القتل انفى للقتل سادسا التنكير في لفظ حياة. يدل على ان في هذا الجنس البشري نوعا من الحياة يتميز عن غيره ولا يستطيع الوصف ان يبلغه. لانهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد. فتهيج الفتنة وتستشري بينهم. وحسبك انت
ازكر حرب داحس والغبراء وحرب البسوس التي اتت على المئات بل الالاف. واستمرت عشرات السنين فكان في القصاص سلامة ومنجاة من هذا كله. واخيرا التعميم الذي يتجاوز التخصيص فليس القتل وحده سبب القصاص ولكن ينتظر فيه جميع الجروح والشجاج. لان الجرح قد يؤدي الى الموت فيكون القصاص سبب
طبعا لبقاء الجارح والمجروح
