تفسير ابن كثير

تفسير ابن كثير | شرح الشيخ عبدالرحمن العجلان | 2- سورة الواقعة | من الأية 13 إلى 19

عبدالرحمن العجلان

وصحبه اجمعين وبعد سم بالله اعوذ بالله من الشيطان الرجيم قلة من الاولين وقليل من الاخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون باكواب واباريق وكأس من معين - 00:00:00ضَ

هذه الايات الكريمة من سورة الواقعة جاءت بعد قوله جل وعلا والسابقون السابقون اولئك المقربون في جنات النعيم من الاولين وقليل من الاخرين على سرر موضونة الايات لما ذكر جل وعلا شيئا من احوال القيامة - 00:00:37ضَ

واخبر انها واقعة لا محالة وانها ترفع اقواما كانوا خاملين في الدنيا وتخفض اقواما كانوا مرتفعين في الدنيا وبين جل وعلا ان الناس ينقسمون الى ثلاثة اقسام وبين وهم اصحاب اليمين واصحاب الشمال - 00:01:21ضَ

وافضلهم وخيارهم السابقون السابقون اولئك المقربون في جنات النعيم واخر ذكرهم جل وعلا عن ذكر اصحاب اليمين واصحاب الشمال وهم افظل لانه بين حالهم بالتفصيل جل وعلا تشويقا وترغيبا للمسلم - 00:01:57ضَ

لعله ان يكون من هؤلاء ثم بين جل وعلا انهم سلة من الاولين وقليل من الاخرين بمعنى جماعة قد يكون جماعة كثير لا يحصون عدا بمعنى سرق وقسم وشطر فريق - 00:02:30ضَ

او جماعة او امة من الاولين وقليل ليسوا مثلهم في العدد من الاخرين وما المراد بالاولين والاخرين اذا علم ان الكثرة منهم من الاولين والقلة من هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات - 00:03:11ضَ

الموعودون بهذا النعيم هم قلة من الاخرين فما المراد بالاولين والاخرين؟ قيل وهو قول كثير من المفسرين ان المراد بهم الامم السابقة من ادم على نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام - 00:03:46ضَ

الى مبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هؤلاء منهم ثلة يعني كثير وقليل من الاخرين الاخرين هم امة محمد صلى الله عليه وسلم وقد يقول قائل كما عرفنا وعلمنا ان امة محمد صلى الله عليه وسلم - 00:04:13ضَ

افضل الامم ونبيهم عليه الصلاة والسلام افضل الرسل فكيف كان الكثرة للسابقين من الامم السابقة والقلة من امة محمد صلى الله عليه وسلم والجواب واضح ان الامم السابقة من ادم عليه الصلاة والسلام - 00:04:44ضَ

الى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فيهم انبياء كثر وفيهم رسل وفيهم اولو العزم من الرسل ومحمد صلى الله عليه وسلم منهم مجموع هؤلاء فيهم السابقون اكثر من مجموع السابقين من امة محمد صلى الله عليه وسلم وحده - 00:05:18ضَ

ولا غرابة في هذا ولا يقال كيف كان اولئك مع ان امة محمد افضل نعم نقول لا ينافي هذا الفضيلة وانما السابقون من مجموع الانبياء عليهم الصلاة والسلام من ادم الى محمد - 00:05:53ضَ

مجموع السابقين اكثر من السابقين من امة واحدة. هي امة محمد صلى الله عليه وسلم لان الانبياء كثير وامن بهم مجموعة والتقى بهم مجموعة فالذين التقوا بالانبياء هؤلاء اكثر ممن التقى بمحمد صلى الله عليه وسلم وامن به - 00:06:13ضَ

ثلة من الاولين وقليل من الاخرين الذين هم امة محمد صلى الله عليه وسلم هذا قول قول اخر ثلة من الاولين يعني من اول الامم من اول الامم الذين التقوا بالانبياء صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين - 00:06:46ضَ

وقليل ممن جاء بعدهم من الامم لان من التقى بالانبياء ونال شرف الصحبة وجاهد مع الانبياء ليس كمن جاء بعدهم وشرف الصحبة لا يدرك وقيل ثلة من الاولين من امة محمد صلى الله عليه وسلم - 00:07:15ضَ

وقليل من الاخرين من امة محمد صلى الله عليه وسلم والكلام كله في امة محمد السابقون من امة محمد في الاوائل اكثر وفي الاواخر اقل لقوله صلى الله عليه وسلم - 00:07:47ضَ

خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم يقول الراوي لا ادري اعد قرنين بعده ام ثلاثة ولا شك ان فظل الصحابة رظي الله عنهم انهم افضل ممن عداهم ثم - 00:08:11ضَ

التابعون كذلك افظل ممن جاء بعدهم لانهم رأوا الصحابة واخذوا عن تلاميذ المصطفى صلى الله عليه وسلم والناس كلما بعد عصرهم وقتهم عن عصر النبوة قلت حالهم وان كان يوجد في اخر الزمان من هو - 00:08:32ضَ

له فضل عظيم لكن هذا على سبيل العموم كما قال انس رضي الله عنه لما رأى بعض الصحابة والتابعين ما رأوه من الحجاج بن يوسف قال لهم رضي الله عنه اصبروا فاني قد سمعتم النبي كم صلى الله عليه وسلم - 00:08:57ضَ

انه قال لا يأتي على الناس زمان الا وما بعده شر منه حتى تلقوا ربكم وهذا المراد به على سبيل العموم يعني القرن الاول افضل من القرن الذي يليه لكن قد يوجد في القرن الذي يليه افضل افراد افضل من القرن الاول - 00:09:19ضَ

وانما هذا على سبيل العموم كما يقال الرجال خير من النساء هذا على سبيل العموم والا فقد تكون امرأة خير من الاف الرجال لكن على سبيل العموم ثلة من الاولين وقليل من الاخرين. عرفنا فيها حينئذ - 00:09:43ضَ

ثلاثة اقوال ثلة من الاولين امة جماعة كثيرة من الامم السابقة وقليل من امة محمد صلى الله عليه وسلم ثلة من الاولين من الامم كلها ممن تقدم كثير من السابقين - 00:10:04ضَ

وقليل من السابقين في اخر الامم ثلة من الاولين من امة محمد صلى الله عليه وسلم يعني جماعة كثيرة من السابقين من امة محمد صلى الله عليه وسلم في الاولين منهم - 00:10:25ضَ

وقليل منهم في الاخرين والنبي صلى الله عليه وسلم وعد الصحابة رضي الله عنهم قال اني لارجو ان تكونوا ربع اهل الجنة ثلث اهل الجنة شطر اهل الجنة يعني نصف الجنة لامة محمد صلى الله عليه وسلم - 00:10:47ضَ

وقال في حديث اخر تكون شطر اهل الجنة وتقاسمونهم في الشطر الاخر يعني يكون لكم اكثر من النصف من نصف الجنة. يعني لكم نصف وحدكم وتشاطرونهم وتقاسمون النصف الاخر وهذا دليل على ان من يدخل الجنة - 00:11:10ضَ

من امة محمد صلى الله عليه وسلم اكثر هم اكثر من الامم كلها والحمد لله جعلنا الله واياكم منهم قد يقول قائل كيف كانوا اكثر من نصف اهل الجنة والله جل وعلا يقول ثلة من الاولين وقليل من الاخرين - 00:11:34ضَ

يقول هذا في حق من في حق السابقين السابقون السابقون اولئك المقربون في جنات النعيم قد يكون الافاضل من امة محمد صلى الله عليه وسلم في العدد من الافاضل من سائر الامم - 00:11:59ضَ

لكن اصحاب اليمين من امة محمد صلى الله عليه وسلم اكثر من سائر الامم على سرر موضونة. وصفهم جل وعلا هؤلاء السابقون السابقون اولئك المقربون في جنات النعيم وبين من ايهم من اي - 00:12:20ضَ

الخلق كانوا قال على سرر موضونة على سرر سرر فيها قراءتان بضم السين والراء الاولى سرر ان الراء الثانية تكون على حسب الاعراب هي لام الكلمة سرر القراءة الثانية بفتح الراء - 00:12:45ضَ

سرر وهي جمع سرير وهو الذي يقعد ويجلس عليه على سر موضونة موضونة يعني محلات منظومة في سبائك وسلاسل الذهب والفضة وغيرها من انواع الحلي وقيل هي المنسوجة حلقتين حلقتين - 00:13:17ضَ

بالذهب والفضة او بالجواهر اي منسوجة بقظبان الذهب يعني باعواد الذهب يقال وضعنا الشيء يظنه فهو موضون ووظين سمي بعضه على بعض وضاعفه يعني من قوته ان بعضه مضاعف ليس على - 00:13:59ضَ

واحد او درجة واحدة وانما مضاعف تقوية له وتجميلا وقيل الموضوعنة بمعنى المصفوفة والمعنى مستقرين على سرر متكئين عليها. تقدم لنا ان ان الاتكاء هو جلوس المرء على صفة الراحة والاطمئنان - 00:14:30ضَ

لا يكون حفز ولا يكون على بعض جسمه متهيأ للقيام وانما هو متكئ بمعنى مستريح بمعنى انه اخذ راحته الكاملة في الجلوس قال الكلبي طول كل سرير ثلاثمئة ذراع فاذا اراد العبد ان يجلس عليه تواضع وانخفض له - 00:15:02ضَ

فاذا جلس ارتفع يتواطأ يتطأطأ الكرسي حتى يجلس عليه المؤمن في الجنة. فاذا جلس عليه واراده ان يرتفع ارتفع له الى ثلاث مئة ذراع متقابلين. المتقابلون هم متقابلة وجوههم يعني لا ينظر بعضهم الى قفا بعض - 00:15:32ضَ

وهذا من حسن مجالسة بعضهم لبعض وحسن خلقهم مع بعض ان بعضهم لا ينظر الى قفا بعض والمراد بهؤلاء هم اصحاب الجنة فيما بينهم او الرجل مع اهله وزوجتيه وزوجاته - 00:16:02ضَ

انهم يجلسون متقابلين يقول وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الاخلاق وصفاء المودة وقال مجاهد وغيره هذا في المؤمن وزوجته واهله يطوف عليهم ولدان مخلدون. اقرأه يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء السابقين المقربين - 00:16:27ضَ

انهم ثلة اي جماعة من الاولين وقليل من الاخرين وقد اختلفوا في المراد بقوله الاولين والاخرين فقيل المراد بالاولين الامم الماضية والاخرين هذه الامة هذه رواية عن مجاهد والحسن البصري - 00:16:57ضَ

واستأنس بقوله صلى الله عليه وسلم نحن الاخرون السابقون يوم القيامة اخرون اخر الامم والسابقون الذين يدخلون الجنة اولا ولم يحكي غيره ومما يستأنس بهذا القول ما رواه الامام ابو محمد ابن ابي حاتم عن ابي هريرة قال لما نزل - 00:17:23ضَ

ثلة من الاولين وقليل من الاخرين شق ذلك على اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت من الاولين وقليل من الاخرين وقليل من الاخرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم - 00:17:52ضَ

اني لارجو ان تكونوا ربع اهل الجنة ثلث اهل الجنة بل انتم نصف اهل الجنة او شطر اهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني على سرر موضونة قال ابن عباس اي مرمولة بالذهب يعني منسوجة به - 00:18:15ضَ

وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقال السدي مرمولة بالذهب واللؤلؤ وقال عكرمة مشبكة بالدر والياقوت وقال ابن جرير ومنه سمي وبين الناقة الذي تحت بطنها وهو فعيل بمعنى مفعول لانه مغفور وكذلك - 00:18:40ضَ

السرر في الجنة مغفورة بالذهب واللآلي يطوف عليهم ولدان مخلدون يطوف بمعنى يدور لخدمتهم ولما يحتاجون اليه ولدان بمعنى غلمان شباب صغار على قدر الخدمة لا يتغيرون عن هذه الحال مخلدون. يعني مستمرون على هذه الحال - 00:19:06ضَ

لا يكبرون ولا يهرمون ولا تتغير حالهم ولدان مخلدون من هؤلاء هم اولاد المسلمين الصغار ليس لهم حسنات ولا عليهم سيئات فكانوا بهذه المثابة قول اخر انهم اولاد الكفار لم يلحقوا بابائهم في الكفر - 00:19:40ضَ

وليس لهم حسنات ينعم يكونون يستحقون الثواب. وانما كانوا بمثابة خدم لاهل الجنة وقيل ان هؤلاء ولدان خلقوا في الجنة كما خلقت الحور العين في الجنة فلم يكونوا من اولاد الدنيا - 00:20:17ضَ

وانما قيل ولدان وهم لم يولدوا وانما خلقوا لان هاجرت العادة ان يقال لمن في هذه السن ولد يطوف عليهم ولدان مخلدون المخلد هو المستمر على حالته لا يكبر ولا يهرم - 00:20:45ضَ

ولا يموت بل هو مستمر على هذه السن وقيل مخلدون مخلد هم عليهم الزينة والحلي والقرب في الاذان يعني مخلدون محلون عليهم الحلي في اذانهم فيقال الرجل خلد جاريته. بمعنى البسها القرد - 00:21:13ضَ

القرط في الابل يطوف عليهم بلدان مخلدون بماذا باكواب واباريق وكأس من معين باكواب الاكواب هي الكؤوس التي ليس لها عرى فهي الاقداح المستديرة الافواه التي لا اذان لها ولا عرى - 00:21:47ضَ

وقد مضى ذكرها في سورة الزخرف والاباريق هي ذات العرى المقاضب التي فيها مقظب وفيها خراطيم يعني تصب من الخرطوم واحدها ابريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه ويرى باطنها كما يرى ظاهرها - 00:22:20ضَ

وكأس وهو الاناء الذي فيه الخمر ولا يقال له كأس الا اذا كان مملوء بالخمر والا اذا كان خاليا يقال له كوب وكأس وكوب واناء فاذا كان مليء بالخمر يقال له كأس - 00:22:50ضَ

وكأس من معين يعني كأس هنا مملوء من خمر يعني مستمر لا ينفد ولا ينقطع ولا يتغير وهو من عين معين يعني جارية يستمر وليس هذا من صنع الايدي او الذي باشرته الايدي بالعصر او نحو ذلك. وانما هو عين جارية. معين يعني لا تتغير - 00:23:14ضَ

بنقص لا يصدعون عنها ولا ينزفون لا يصدعون عنها يعني لا يصيبهم الصداع بسببها نفى الله جل وعلا عن خمر الجنة كل افة من خمر الدنيا لان خمر الدنيا مملوءة بالافات - 00:23:51ضَ

فيها الصداع وفيها ذهاب العقل وفيها كثرة القيء وفيها كثرة التبول فهي فيها افات عظيمة وفوق هذا كله هي ام الخبائث وهي ضارة بالبدن والعقل ونفى الله جل وعلا كل افة في خمر الدنيا نفاها عن - 00:24:23ضَ

خمر الجنة وقال لا يصدعون عنها يعني لا يصيبهم الصداع بسببها والصداع معروف هو الوجع الذي يكون في الرأس ولا ينزفون لا تذهب عقولهم يشرب الخمر ويتلذذ بها ويسقيها ويستأنس مع من يشرب معه ولا يذهب عقله - 00:24:50ضَ

وهو باحسن حال فلا يسكرون ولا تذهب عقولهم. بل هم على اكمل حال لا يصدعون عنها الصداع وقيل لا يصدعون عنها يعني لا يتفرقون بسببها لان خمر الدنيا يجتمعون عليها ثم يتفرقون بسببها - 00:25:21ضَ

يتلاعنون ويتباغضون ويتضاربون اذا سكروا ثم يتنافرون كل ينظر الى جهة لانهم يشربون وهم اصحاب كما ينتهون الا وقد تعادوا وتضاربوا وتشاتموا ثم يتفرقون اما خمر الاخرة فليس فيها شيء من ذلك - 00:25:51ضَ

ولا ينزفون لا تذهب عقولهم ولا يسكرون قرأ بكسر الزاي ولا ولا ينزفون بكسر الزاي وبفتحها ولا ينزفون وهما اي القراءتان سبعيتان. يعني من القراءات السبع من انزف الشارب ونزف اذا نفد عقله او شرابه - 00:26:22ضَ

يعني يذهب عقله او ينتهي شرابه ولا يحصل هذا في خمر الجنة متكئين عليها متقابلين اي وجوه بعضهم الى بعض ليس احد وراء احد يطوف عليهم ولدان مخلدون اي مخلدون على صفة واحدة - 00:26:53ضَ

لا يكبرون عنها ولا يشيبون ولا يتغيرون باكواب واباريق وكأس من معين اما الاكواب وهي الكيزان التي لا خراطيم لها ولا اذان والاباريق التي جمعت الوصفين والكؤوس والجميع من خمر من عين جارية - 00:27:22ضَ

نعيم ليس من اوعية تنقطع وتفرغ بل من عيون جارية لا يصدعون عنها ولا ينزفون اي لا تصدع رؤوسهم من لذة الحاصلة والله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين - 00:27:51ضَ